CPML - Centre du Patrimoine Musical Libanais


Dans annahar compte rendu de la création mondiale du concerto n°1 de Naji Hakim

2015-12-17

موسيقى - الأوركسترا الفيلهارمونية بقيادة فرنشيسكو لانزيوتا في كاتدرائية مار جرجس المارونية ناجي حكيم وحّد أصواتاً كونية في كونسرتو رؤيوي لبيانو وأوركسترا

41
مي منسى
15 كانون الأول 2015

مولود جديد هو الكونسرتو الذي جاء به ناجي حكيم، مقمّطا بنفس إلهامي عجيب، ليعمّده في كاتدرائية مار جرجس للموارنة في رعاية مركز التراث الموسيقي اللبناني و"بيروت تغني". فهذا الموسيقي المبدع الذي كان له في مؤلّفاته، غير كونسرتو لكمان وأورغ، كتب للمناسبة موسيقى متنوّعة، ظليلة حيناً، مشمسة حيناً آخر، سلسة ومعقّدة، انسجم على إدائها عازفة البيانو الماهرة كلير فوازون والأوركسترا الفيلهارمونية الوطنية بقيادة المايسترو الأيطالي فرنشيسكو لانزيوتا.

كونسرتو ناجي حكيم توسّع له المدى في الجزء الثاني من الأمسية، فكان الانتباه، كل الانتباه، لهذا الدفق من الوحي والتمعّن في تفاصيل حياكة كونية، حتى إذا بلغ السمع عقدتها الصعبة، بات الدخول في أليافها أكثر ثلاثة. المسألة حسابية، هندسية، تركن حجارتها إلى بعضها في تصميم ماهر بعد زوغان مفرداتها وتشتتتها. فثمة ساحر ساهر على الوحدة الكونسرتية، يكيّل الانسجام بين وهج الأوركسترا وتنسّك البيانو، عالمين غريبين يغامران في تماوجات التشتت والتلاحم، في لعبة الفراق واللقاء.
في مستهل الأمسية، عزفت الأوركسترا بقيادة فرنشيسكو لانزيوتا، سمفونية من أوبرا "إيطالي في الجزائر" لروسيني. الجو الروسيني كان ملائما لـ"بيروت تغني"، يحرّك قريحتها هذا الشاب الوسيم الآتي من المدرسة الإيطالية العريقة، ومفتاح السحر في أصابعه المدقّقة في حذافير النوطة وفي خلق تعاطف أكاديمي بين أوركسترانا الوطنيّة وبينه. الموسيقى المتعالية في أرجاء الكاتدرائية، لم تكن ترنيماً دينياً بل مآثر دنيوية من اختبارات موسيقية، اختلفت أبعادها بين السمفونية الأولى لبيتهوفن الأكثر شعبية بين سمفونياته وكونسرتو ناجي حكيم الفريد في بنيانه الطليعي.
السمفونية الأولى لبيتهوفن، بدت لنا مذ طلع الفجر عليها، نمسوية السمات، وارثة موزار وهايدن. كأن الأوركسترا كانت تحت راية المايسترو ترسم الفكر الأوركسترالي لسمفونيات بيتهوفن المقبلة. الآلات الهوائية بأثيريتها روت رحاب الطبيعة البيتهوفينية ولم يكن بيتهوفن قد باشر بعد رحلته الموسيقية الجبّارة على قاعدة التقاليد الكلاسيكية. فكيف نتلقى الأداجيو في البداية والنهاية من غير أن نلمس بصمة هذا العبقري عليها. أداجيو بيتهوفن تروي عطش الحزن بألليغرو مضلّلة، وكبرياء لا تتمكن الكلارينيت والشيللو لجمه. في الأندانت والألليغرو الرهيف ارتقت الأوركسترا إلى آفاق دينامية ملوّنة بتنويسات غير منتظرة. كان المايسترو يراعي من هنا وهناك القوة المتغلغلة في كل عبارة، ساهرا على الإيقاع والمفاصل. هذا التدقيق كان شاملا بين فرنشيسكو لانزيوتا والأوركسترا، لنعود ونلمسه بحذافيره في كونسرتو ناجي حكيم يقوده مايسترو يأخذ في اعتلائه بالعمل، نفس مؤلّفه الملحمي.
كلير فوازون جلست إلى الملامس وفي ذاكرتها فصول تحفة موسيقية شاء ناجي حكيم أن ترى النور من بيروت. مسكونة بها، مضت تعزف المقاطع المكتوبة للبيانو غيبا، بحس عزفي مدهش. الأصداء التي كانت تأتيها من الأوركسترا، نورها إلى ملامسها هذه الدرب التي شقّها ناجي حكيم كمزمور من منشد وحداني، يتأمّل.
في هذا السهل الذي غزرت فيه ألحان عابرة من ذكريات منقوشة في طيات العمر، شرقية حينا، من زمن الرومنطيقية حيناً آخر، يظل هذا العمل خاصا بكاتبه، من ذاتيته، يفجّر حمماً من نفس قلقة، تسأل والسؤال كما نراه بين أصابع كلير فوازون، موجّها إلى الأوركسترا، يعلو غامضا، سرّيا، مكسوّا بقالب تجريدي، لا تصنّع فيه ولا تكلّف. ناجي حكيم هام في صياغة شفافة، ظليلة، مشمسة، ليلية، كمن يكتب رسالة حميمة تتونّس فيها ألوان فاحمة أو مضاءة. الأوركسترا تبعت طريق مؤلّف رؤيوي، يصنع من جمل مبسّطة، أحاجي معقّدة، تتوزّع على المشهد العام بصخبها وهنائها حيث كل لحظة معزوفة تغدو انتصارا على العدم.

Partager